حسن الأمين

112

مستدركات أعيان الشيعة

الفاطمية في الأشمونين ، والفيوم ، والإسكندرية أيضا ، غير أن القادة الذين كلفوا بالقتال في الفيوم ، والأشمونين لم ينجحوا في مهتمهم لأن قوات أبي القاسم كانت ضارية ومسيطرة على المنطقة . ( 1 ) بينما ، نجح ثمل الفتى صاحب مراكب طرسوس في الحاق هزيمة بحرية بقادة الأسطول الفاطمي في رشيد والإسكندرية وتحطمت معظم قطع الأسطول التي عبثت بها الرياح ، وألقتها قرب البر ، فأسر من فيها باليد ، وسلم قادة الأسطول أنفسهم إلى ثمل الفتى الذي صحبهم إلى الفسطاط ودخلوا المقس أواخر شوال 307 ه‍ ، فمن والي مصر على أهل القيروان وطرابلس ، وبرقة وصقلية ، لأنهم أرغموا على الاشتراك وعرفوا بمقتهم للحكم الفاطمي ، بينما أمر بقتل عناصر كتامة والمشتيعين مثلهم ، واكتفى بتشهير قادة الأسطول في شوارع مدينة الفسطاط قبل إيداعهم السجن . ( 2 ) ويبدو أن هذا الانتصار البحري ، يضاف إليه صيرورة أبي القاسم في شبه عزلة في الفيوم والأشمونين وقد طال مقامه وانتشرت الأمراض والأوبئة بين رجاله وسادت بينهم روح الملل ، والتذمر ، يبدو أن هذه العوامل التي شجعت مؤنس الفتى ، وتكين الخاصة ، وجني الصفواني على مهاجمة القوات الفاطمية في الفيوم والأشمونين ، أثرت أيضا على معنويات أبي القاسم ، فتحاشى الاصطدام بالقوة المهاجمة وفضل الانسحاب إلى إفريقية عبر برقة ، فأدرك المهدية في شهر رجب 309 ه‍ / نوفمبر 921 م بعد غيبة استمرت نحو سنتين وثمانية أشهر . ( 3 ) وتلاه مؤنس الفتى ، وتكين الذي عزل عن الولاية ، فانسحبوا جميعا عن مصر ، التي وليها لفترة قصيرة ، هلال بن بدر حتى سنة 311 ه‍ / 923 - 924 م ، ثم خلفه لمدة سنة ، أحمد بن كيغلغ ، وأثرها عاد أبو منصور ( 4 ) تكين الخاصة إلى ولاية مصر وبقي فيها حتى توفي سنة 321 ه‍ / 933 ، فوليها بتقليد من القاهر العباسي محمد بن تكين ، الذي لم يتم له الأمر طويلا بسبب معارضة الماذرائي ، وتأييد عنصر المغاربة في الجيش ، وكان رئيسهم هو أبو مالك حبشي بن أحمد ، الذي بان تطرفه أيضا أثناء ولاية محمد بن طغج الإخشيد ، فكره الخضوع له ، وانسحب مع جنده ، والمؤيدين لهم من الأتراك واستقروا في الإسكندرية ، وسرعان ما فارقوها إلى برقة بعد فشل محاولتهم لغزو الفسطاط ، ومن إقليم برقة ، الموالي للفاطميين ، اتصلوا بالقائم بأمر الله ، وزينوا له العودة إلى العمل العسكري على مصر ، بمساعدتهم « لأنهم يعلمون وجوه الحرب ! وكيفية الوصول إليها » . ( 5 ) وبقاء القوة المعارضة لوالي مصر في برقة كان منسجما مع الاستراتيجية الفاطمية الجديدة التي ظهرت بعد انسحاب القائم بأمر الله من مصر ، إذ غدت هذه القاعدة هي التي تشرف على النشاط العسكري وتوجهه على أراضي مصر ، وقد أشارت بعض النصوص إلى حركة عسكرية قادها في بداية 310 ه‍ / 922 - 923 م ، فلاح بن قمون الكتامي ، ضد حدود مصر فاصطدم بجندها ، بذات الحمام ونال منهم وكانت من الأهمية بحيث قرئت أخبارها في جامع القيروان ، ( 6 ) تلتها حركة أخرى ضد منطقة الواحات في صعيد مصر ، منذ بداية 311 ه‍ / 923 - 924 م وقادها ، مسرور بن سليمان بن كافي ، الذي استولى على الحصون القريبة ، وهزم عامل المنطقة وهو الكرمازي وأسر ابنه ، وابن أخيه وسيطر على المنطقة وكان في نيته فيما يبدو توسيع نشاطه في أرض صعيد مصر ، لولا ظهور الأوبئة في جنده ، وهو الذي حمله على الانسحاب إلى قاعدة انطلاقة في برقة ، إنما بعد أن خرب الاستحكامات العسكرية ، وبعض مظاهر العمران . ( 7 ) وقد وقعت الإشادة في القيروان وأعمالها بما أنجزه مسرور بن سليمان ، من أعمال هامة ، في أراضي مصر ، انتقاما لهزيمة الحملة الفاطمية الثانية . ( 8 ) وربما تلتها حركات أخرى ضد مدن وحصون مصر ، وهي التي جذبت بعض المغامرين الذين عارضوا ولاية ابن طغج وأرادوا النيل منه تحت ستار مساعدة الفاطميين ، ولم يشأ القائم بأمر الله أن يرفض هذه الفرصة ، لأنها تحقق بعض أهدافه ، ولا تتنافى مع الخطة الأصلية للحركة الفاطمية ، ولذلك جهز قوة كبيرة من كتامة أشرف عليها مولاه زيدان ، الذي انضم إليه في برقة عامر المجنون ، وأبو زرارة ، ويعيش مع قوات حامية برقة الكتامية ، ويبدو أن القيادة أصبحت ليعيش الكتامي الذي سار مع القوات المعارضة لحكم ابن طغج يتقدمهم بجكم واستولوا على الإسكندرية بدون صعوبة . ( 9 ) وقد خيل للقوات المتحالفة أن ابن طغج سوف يستسلم بسهولة ويترك الولاية إلى الشام أو إلى العراق خاصة وأن عناصر من المشارقة والمتشيعين كانوا ضده ، بيد أن ذلك كان حلما بددته عزيمة هذا الوالي الشجاع الذي أسرع بإرسال قوات كبيرة إلى الإسكندرية قادها أخوه الحسن بن طغج ، بمساعدة صالح بن نافع ، وفي اللقاء الذي تم بين هذه القوة وبين قوات الحلف قرب قروجة ، انهزم هؤلاء وقتل يعيش أمير الجيش ، وبعض مساعديه ، وأسر منهم كثيرون من بينهم عامر المجنون ، أما بجكم وبعض رجاله فقد تركوا ميدان القتال فرارا بأنفسهم إلى برقة حيث استقروا في منزل الرمادة ، الموالي للفاطميين ، ( 10 ) فترة ، ثم دخلوا مصر بأمان ابن طغج ( 11 ) سنة 328 ه‍ / 939 - 940 كما أن قادة كتامة الذين أسروا أثناء الحملة ، أطلق ابن طغج سراحهم سنة 327 ه‍ / 938 - 939 م لثقته بنفسه وبقوة مركزه في مصر . ( 12 )

--> ( 1 ) الكندي : المصدر السابق 276 - 277 ، الذهبي : المصدر السابق 3 ، ورقة 14 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 71 . ( 2 ) الكندي : المصدر السابق 277 ، ابن عذاري : البيان 1 ، 255 ، الذهبي : المصدر السابق 3 ورقة 16 ، المقريزي : المصدر السابق 1 ، 71 . وبينما مات سليمان ابن كافي في السجن ، فر يعقوب الكتامي من سجن بغداد ، إلى إفريقية ، عبد المنعم ماجد : ظهور خلافة 98 ، ولقب مؤنس بالمظفر . ( 3 ) نفسه ، 278 ، ابن عذاري 1 ، 260 ، الذهبي : المصدر السابق 3 ، ورقتا 15 ، 16 ويلاحظ الذهبي أن ابن المديني القاضي قتل لأنه كان يدعو إلى المهدي مع جماعة آخرين . ( 4 ) نفسه 278 - 279 ، السيوطي ، حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة 3 ، 11 ، الذهبي : المصدر السابق ج 3 ورقة 16 . ( 5 ) نفسه ، 280 - 287 ، السيوطي : المصدر السابق 2 ، 13 . ( 6 ) ابن عذاري : المصدر السابق 1 ، 263 ويبدو أن القائد هو أبو جعفر بن فلاح الذي ازدهر في عصر المعز لدين الله وصحب جوهر إلى مصر . ( 7 ) نفسه 1 ، 265 ، وبذلك انتقم مسرور لهزيمة أبيه وأسره ويبدو أن هدف حركته هو الضغط على والي مصر الذي بقي محتفظا بوالده في السجن . ( 8 ) نفسه 1 ، 267 ، العزيزي : المصدر السابق 152 ، تعليق 10 . ( 9 ) يشير الكندي إلى وفاة حبشي بن أحمد بالرمادة قبل وصول حملة القائم بأمر الله ، النويري : المصدر السابق 26 ورقة 16 . ( 10 ) الكندي : المصدر السابق 276 - 277 ، الذهبي : المصدر السابق 3 ، ورقة 14 ، المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 ، 71 . ( 11 ) الكندي : المصدر السابق 289 . ( 12 ) نفسه ، 287 .